في كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بدورتها (٧٦).. الرئيس برهم صالح: الانتخابات المقبلة مصيرية، ولا سلام في المنطقة من دون عراق مستقر، ويجب استرداد أموال الفساد المنهوبة

2021/09/24

شدّد الرئيس برهم صالح في كلمة أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة بدورتها (٧٦) أن الانتخابات المقبلة مصيرية ومفصلية وستكون لها تبعات على كل المنطقة، مشيراً إلى أن الانتخابات يجب أن تكون مساراً سلمياً نحو إصلاح حقيقي يعالج مكامن الخلل في منظومة الحكم، وربط سيادته تحقيق ذلك بضمان نزاهة الانتخابات وعدم تزوير إرادة الناخبين.

وأكّد السيد الرئيس ضرورة عدم التهاون في مكافحة الإرهاب، منوهاً إلى أن الانشغال في صراعات المنطقة سيكون متنفسا للجماعات الإرهابية، حيث لفت إلى أن مكافحة الفساد تمثل للعراق معركة وطنية لا خيار الا الانتصار فيها.

ودعا سيادته، المجتمع الدولي للمساعدة في استرداد أموال الفساد المنهوبة من البلد، وتشكيل تحالف دولي لمحاربة الفساد على غرار التحالف الدولي لمحاربة داعش، لكون الفساد هو الاقتصاد السياسي للعنف والإرهاب.

كما أكّد الرئيس برهم صالح أن استقرار المنطقة وأمنها وإقرار السلام فيها لن يتحقق دون عراق آمن ومستقر بسيادة كاملة، منوهاً إلى أن أزمات المنطقة المستحكمة على مدى عقود جاءت بسبب انهيار منظومتها، وأن الحاجة ملحة لمنظومة جديدة تقوم على التعاون والترابط الاقتصادي.

ولفت سيادته إلى أن استمرار الأزمة السورية وتداعياتها الإنسانية بات غير مقبول، وآن الأوان لتحرّك جاد لإنهاء معاناة السوريين، كما أكّد موقف العراق بضرورة إيجاد حل شامل وعادل للقضية الفلسطينية، فيما أشار إلى أن استمرار  الحرب في اليمن وتداعياتها الأمنية والإنسانية مبعث قلق يستدعي التوصّل لحل يحقق الأمن والسلام.

وفي مايلي نص الكلمة:
بسم الله الرحمن الرحيم

السيد الرئيس، نُبارك انتخابك رئيساً للجمعية العامة متمنين لك التوفيق في عملك..

اصحاب الجلالة والفخامة والسمو والمعالي،

السيدات والسادة،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

اقفُ أمامكم اليوم ممُثِلا عن العراق -الدولة المؤسِّسة في الأمم المتحدة- وعن شعبه الضارب في عمق التاريخ، الى حضارات أور وسومر وبابل وآشور، أعرق الحضارات التي عرفتها البشرية.

نجتمعُ اليوم، وما زلنا نواجه التحديات الصحية الناتجة عن وباء كوفيد19، كما لم تزل قضايا العنف والإرهاب وتحديات التنمية المسُتدامة وتغيّر المُناخ تُمثل تحديات خطيرة تتطلبُ منا حلولاً جدية.

هذه التحديات تؤكد من جديد أن للأمم المتحدة والمنظمات الدولية دوراً أساسياً في تنسيق المواقف لمواجهة التحديات.. وقد آن الأوان لنواجه الأخطار معا، واجتماعنا هذا العام يُمثل فرصة للتعاون والاتفاق على خارطة طريق عمل للمستقبل.

في العراق، اتخذت الحكومة العديد من التدابير الصحية اللازمة للسيطرة على الوباء رغم محدودية البنى التحتية الصحية التي شهدت دماراً واسعاً جرّاء الحروب التي مر بها البلد خلال الفترات الماضية... اذ تمكنّا من زيادة قابلية المؤسسات الحكومية في تقديم العلاج والوقاية، وكان العراق من أوائل الدول التي انضمت الى مبادرة "كوفاكس" لتوفير اللقاحات لمواطنينا والمقيمين الأجانب.

وفي هذه المناسبة، نُعرب عن بالغ تقديرنا حكومة وشعباً للمنظمات الدولية وخاصة منظمة الصحة العالمية على جهودها في دعم العراق للتصدي لهذا الوباء.

السيد الرئيس ... الحضور الكرام..

لقد عصفت بالعراق وشعبه على مدى الأربعين سنة الماضية على الاقل، الحروب والحصار والاضطهاد وحملات الإبادة والأنفال والمقابر الجماعية واستخدام الأسلحة الكيمياوية في حلبجة وتجفيف الأهوار واستباحة الإرهاب لمدننا.

نجحنا بتجاوز هذه المآسي الرهيبة، وتمكّنا من تحرير مدننا من دنس داعش وحماية العالم من جرائمه، ببسالة قواتنا المسلحة من الجيش والشرطة والحشد الشعبي والبيشمركة وبدعم التحالف الدولي وجيراننا واصدقائنا، والدور الكبير للمرجعية الدينية في النجف الاشرف التي حشّدت قوى الشعب في هذه المواجهة المصيرية.

كما تواصل قواتنا المسلحة بحزم عملياتها للقضاء على ما تبقى من الخلايا الإرهابية التي تهدد أمن العراق والمنطقة والعالم.. اذ لا يمكن ان نستخف بخطورة الإرهاب، ونُجزم أن التهاون او الانشغال بالصراعات في منطقتنا سيكون متنفسّا لعودة تلك المجاميع الظلامية وتهديد شعوبنا وامننا.

اذ لا خيار لنا الا التعاون والتكاتف في مواجهة ظاهرة الارهاب والجماعات الداعمة له ومكافحة تمويله، ومعالجة آثاره الخطيرة وإنصاف ضحاياه، وضمان عدم تكرار المآسي الرهيبة.


ويقوم واجبنا الآن في إعمار المدن المحررة وإعادة النازحين الى ديارهم، وقد حققنا شيئاً من التقدم في ذلك، ونتطلع إلى مزيد من دعم المجتمع الدولي في إعادة إعمار المناطق المحررة من الارهاب، والاستجابة للاحتياجات الإنسانية الطارئة وتعزيز القدرات في إعادة بناء البنى التحتية في البلد بما يسهم في عودة الحياة الطبيعية الكريمة لمواطنينا.
 واُشير في هذا السياق، الى إقرار العراق قانون الناجيات الايزيديات لإنصاف هذه الشـريحة التي تعرّضت لأبشع أنواع الاضطهاد والاستغلال على يد داعش، ويشمل القانون أيضا إنصاف النساء من باقي المكونات.

السيدات والسادة،

إن ظاهرة الفساد هي الأخرى تهدد أمن واستقرار العالم أجمع، ويواجه بلدنا ظاهرة الفساد بسبب الإرث الخطير من الحروب والنزاعات والعنف التي بددت الكثير من موارد بلدنا وحرمت العراقيين من التمتع بخيرات بلدهم.

ولذا فإن مكافحة الفساد تُمثل للعراق اليوم معركة وطنية، لن يصلُح وضع البلد قبل الانتصار فيها.. وترتكز هذه المعركة على الحد من منابع الفساد وإغلاق منافذه.. والعمل على استرداد ما تم نهبه وتهريبه من اموال يُستخدم جزء كبير منها لإدامة العنف والفوضى في البلد.. فلا خيار امامنا الا الانتصار في هذه المعركة.

والتزاما بمكافحة الفساد، انضمَّ العراق لاﺗﻔﺎﻗﻴﺔ اﻷﻣﻢ المتحدة لمكافحة اﻟﻔﺴﺎد لسنة 2000 واتفاقية جامعة الدول العربية لمكافحة الفساد لسنة 2010، ونعمل على تبنّي مشروع قانون لاسترداد الأموال المنهوبة، كما نظّمت الحكومة مؤخراً مؤتمراً من اجل تنسيق الجهد لتحقيق ذلك.

ومن هنا، أدعو الأصدقاء في المجتمع الدولي لمساعدتنا في الكشف واسترداد أموال الفساد المهرّبة من العراق.. اذ أن تحقيق ذلك سيكون خطوة حاسمة في ردع الفساد.. ونجدد دعوتنا لتشكيل تحالف دولي لمحاربة الفساد واسترجاعِ الاموالِ المنهوبة، على غرار التحالف الدولي ضد الإرهاب.. اذ لا يمكن القضاء على الإرهاب الا بإنهاء الفساد بوصفه اقتصاداً سياسياً للعنف والإرهاب.. فالفساد والإرهاب مترابطان متلازمان ومتخادمان، ويديم أحدهما الآخر.

السيد الرئيس.. الحضور الكرام..

يواجه كوكبنا خطراً وجودياً، يتجسدُ أمامنا في التغيّرات المُناخية الحادة التي تهدد مستقبل أجيالنا القادمة... قد نختلفُ سياساً، لكن علينا ان نتحد معاً في مواجهة التغير المناخي، فهو خطر يهدد الجميع.

ويمر العراق، بظروف مناخية صعبة من التصحر وشحة في الموارد المائية جعلت البلد خامس أكثر البلدان هشاشة تجاه التغيرات المناخية وفق التقرير السادس للتوقعات البيئية العالمية لمنطقة غرب آسيا.

لقد انضمَّ العراق لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ لسنة 1992 وكذلك اتفاقية باريس لسنة 2015، ونعمل على تبنّي استراتيجية تستهدف حماية البيئة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030، وتم وضع وثيقة المساهمات الوطنية لتوجيه التحوّل الاقتصادي وإرساء مفهوم الاقتصاد الاخضر بشكل سيسهم في استقطاب فرص استثمارية جديدة في العراق، وتوفير مشاركة أكبر للقطاع الخاص في مجال التعامل مع تغيّر المناخ.

علينا إنعاش وادي الرافدين... فهذه المنطقة من الأرض كان يُطلق عليها أرض السواد وجنات عدن لشدة خضرتها وأرضها الخصبة، والعراق بموقعة الجغرافي في قلب المنطقة، وتنوعه البيئي حيث النخيل والاهوار وجبال كردستان، يُمكّنه ان يكون منطلقاً لجمع دول الشرق الأوسط بيئيا، وهذا يتطلب الدعم الدولي بمختلف مجالاته لمساندة جهود العراق وتمكينه من تنفيذ هذه السياسات والاستراتيجيات الوطنية.

فأزمة المناخ لا تُميز او تستثني بلداً دون آخر، والتكيّف معها وتحجيم أضرارها لن ينجح عبر خطوات فردية، ولن يسلم بلدٌ يعتقد ان إجراءاته كفيلة لحمايته من مخاطر التغيير المناخي من دون إجراءات مماثلة لجيرانه ومنطقته والعالم ككل، فالعواصف الرملية وشحة المياه وارتفاع درجات الحرارة والتصحر مخاطر عابرة للحدود لن تُعالج الا بتنسيق وتخطيط دولي مشترك عال المستوى يدمج الخطط الوطنية والاقليمية والدولية مع بعضها البعض.

السيدات والسادة..

يقع العراق في قلب منطقة الشرق الأوسط التي عانت وتعاني من حروب ونزاعات مستحكمة جراء انهيار منظومتها الأمنية والسياسية على الأقل منذ أربعين عاما، وكان غياب العراق عن دوره الطبيعي في المنطقة أحد أسباب فقدان الاستقرار الإقليمي.

وفي ظل ذلك، تبنّى العراق سياسة متوازنة ترتكزُ على دعم الحوار وتخفيف التوترات والبناء على المشتركات.. اذ نؤكد الحاجة لمنظومة جديدة تستند على التعاون والترابط الاقتصادي بين دول المنطقة وبمشاركة المجتمع الدولي، وتستجيب للتحديات المشتركة من الإرهاب والتطرف وتقلبات الأوضاع الاقتصادية وعدم التمكن من توفير فرص عمل للأعداد المتنامية من شبابنا، وأيضا التداعيات الخطيرة للمتغيرات المناخية.

وانطلاقا من ذلك، نظّمت الحكومة العراقية مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة، لنؤكد أن العراق الذي كان عنواناً للتنازع نريده نقطة تلاقي مصلحة شعوب ودول المنطقة، وأن نجاح مساعي إحلال السلام لن يتم دون العراق.. العراق الآمن والمستقر بسيادة كاملة، وإعادته لدوره المحوري في المنطقة، وهذا يستدعي دعماً إقليمياً ودولياً وإنهاء تنافسات وصراعات الآخرين على ارضنا.

في هذا السياق نشيرُ أيضا الى ان استمرار الأزمة السورية وتداعياتها الإنسانية الرهيبة بات غير مقبول، ونُذكّر ان بؤراً خطيرة للإرهاب تنشط باستمرار وتعتاش على ديمومة هذه الازمة، وتهدد الشعب السوري وتهدد بلدنا وكل المنطقة... وقد آن الاوان لتحرّك جاد لإنهاء معاناة السوريين يستند الى احترام حقهم في السلام والحرية، واستئصال بؤر الإرهاب النشطة هناك.

ويؤكد العراق، سيداتي سادتي، موقفه بضرورة إيجاد حل شامل وعادل للقضية الفلسطينية، فلا يمكن ان يستتب السلام في المنطقة بدون إقرار وتلبية كامل الحقوق الشرعية والمشروعة للشعب الفلسطيني في دولته المستقلة.

كما أن استمرار الحرب في اليمن وتداعياتها الامنية والانسانية مبعث قلق يستدعي التوصّل لحل يحقق الامن والسلام لمواطنيه ولدول المنطقة.

السيد الرئيس ... الحضور الكرام

في الشهر المقبل ينتظر العراق استحقاق وطني مفصّلي يتمثل في الانتخابات المبكرة، استجابة لحراك شعبي وإجماع وطني واسع على الحاجة لإصلاحات جذرية وعقد سياسي واجتماعي جديد يُعالج مكامن الخلل في منظومة الحكم، ويضمن الحكم الرشيد... فهي انتخابات مصيرية ستكون لها تبعات على العراق وربما المنطقة برمتها.

وتجري هذه الانتخابات وشعبنا  يُحيي مسيرة راجلة نحو كربلاء الحسين عليه السلام، تتجسد فيها أروع القيم الإنسانية النبيلة في الإصلاح والسلام ورفض الظلم والاستبداد وطلب العيش بكرامة، ويحدوهم الامل متمسكين بالإرادة الصلبة في الحفاظ على الوطن والمضي في طريق الإصلاح ومكافحة الفساد والحق في حياة حرة كريمة.

ولتحقيق هذه الأهداف النبيلة، فإن إعادة ثقة العراقيين في الانتخابات وضمان المشاركة الواسعة بالنسبة لنا الآن يُمثل أولوية قصوى، فقد تم إقرار قانون انتخابي جديد أكثر تمثيلاً وانصافاً من سابقاته، ومفوضية انتخابات جديدة، ووفرت الحكومة لها احتياجاتها لتنظيم الاقتراع، وتم تبنّي "مدونة السلوك الانتخابي" من اجل إنجاح الانتخابات لتكون المسار السلمي للإصلاح عبر برلمان وحكومة يستندان بحق الى حكم الشعب بدون قيمومة او تلاعب.. اذ ان أحد أسباب الاحتقان السياسي في البلد يعود إلى مكامن الخلل وغياب الثقة الشعبية في العمليات الانتخابية السابقة.

وفي هذا الصدد.. أتقدم بالشكر الى الدول التي ساهمت باعتماد قرار مجلس الامن ٢٥٧٦ الخاص بدعم العملية الانتخابية في العراق، والى الأمانة العامة للأمم المتحدة والاتحاد الاوروبي لدورهما في تسهيل إرسال المراقبين الدوليين لضمان اعلى مستويات الشفافية، ولبعثة الأمم المتحدة في العراق لما بذلته من جهود في تقديم الدعم الانتخابي.

أيها الأعزاء..

إن العراق هو مثال حي للتنوع والتعايش الإنساني العميق في التاريخ، وشعبنا يشعر بقوة التنوع والتعايش الراسخة في جذوره، ويدرك ان الأمم تقوى حينما يكون احترام التنوع معياراً لثقافتها.

لەم سەکۆیەوە، سلاوم بۆ هاولاتیانی ئازیز، و هیوادارم بە هاوکاری ویەکڕیزی ڕووبەڕووی ئەرکەکانی ئەم قۆناغە بینەوە بۆ چەسپاندنی ئازدی ودادپەروەری و ڕیشەکێشکردنی توندڕەوی و جیاکاری و پاراستنی ئاشتی و پێکەوەژیان. 

وأختتم حديثي،سيداتي سادتي، بالقول إننا شركاء في هذا الكوكب، شركاء في التطلعات وفي الهواجس والمخاوف، وفي القيم الإنسانية، نحتاج أن نشعر ونقف مع بعضنا لإيقاف التدهور البيئي، وتجنب الحروب والصراعات، اذ أن الاستجابة لذلك أفضل هِبة نمنحها لمستقبل اجيالنا القادمة.

أشكركم سيادة الرئيس، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

Presedent