مشروع إنعاش بلاد الرافدين لمواجهة التغيّر المناخي في العراق

2021/10/17

نص مشروع إنعاش بلاد الرافدين لمواجهة آثار التغيّر المُناخي في العراق، المقُدم من رئاسة الجمهورية، وتبناه مجلس الوزراء:

إنعاش بلاد الرافدين
مشروع التصدي للتغير المناخي في العراق والشرق الأوسط

مقدمة
يجب أن يصبح التصدي لتغير المناخ أولوية وطنية للعراق، ولا مجال للتقاعس، اذ يعد العراق من أكثر البلدان عُرضة لمخاطر تأثير تغير المناخ. وفقاً لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، يحتل العراق المرتبة الخامسة من اكثر البلدان هشاشة على مستوى العالم من حيث نقص المياه والغذاء ودرجات الحرارة القصوى وما تخلّفه من هجرة داخلية، يضاف لذلك العدد الكبير للنازحين والفاقدين لمنازلهم بسبب الإرهاب والعنف، وتُشكل هذه العوامل تهديداً طويل الأمد للظروف المعيشية لملايين العراقيين، ولاستدامة الاقتصاد على المدى الطويل، وللأمن القومي العراقي.
الآثار السلبية لتغير المناخ موثّقة وواضحة للعيان، وستزداد سوءاً، مع احتمال ارتفاع درجات الحرارة بشكل أكبر.  استناداً الى دراسات عراقية فان معدل درجات الحرارة قد يزداد بين ٣ الى ٥ درجات مئوية مقارنة مع عقد الستينيات من القرن المنصرم (هنالك دراسات عالميه اخرى تدل على ارتفاعات اقل شده)، وكذلك تكرار موجات الجفاف، وارتفاع التملح في الاراضي الزراعية، واستمرار الممارسات المُهدرة للموارد المائية والتي تفترض ان عهد النفط وموارده الريعية لن ينتهي. ستتفاقم آثار تغير المناخ في حاله عدم وجود إجراءات عاجلة من جانب صانعي القرار في العراق.
تتعرض 54٪ من اراضي العراق للتدهور، ويؤثر التصحر على 39٪ من مساحة البلاد. أدى بناء السدود على منابع وروافد نهري دجلة والفرات إلى تقليل كمية ونوعية المياه التي تصل الى العراق، ونتيجة لذلك، فإن اللسان الملحي من مياه الخليج يدخل إلى الجزء الجنوبي من العراق، مما يؤثر سلبًا على إنتاجنا الزراعي ويتسبب في معاناة البصرة الفيحاء خصوصا في نقص مياه الشرب.
التكاليف البشرية المحتملة لهذه التغيّرات ستكون كبيرة. فقد تضرر سبعة ملايين عراقي بالفعل حتى الان من الجفاف والنزوح. ووفقًا لوزارة الموارد المائية العراقية، سيواجه العراق عجزًا قد يصل إلى 10.8 مليار متر مكعب من المياه سنويًا بحلول عام 2035.  هذا الكمية من العجز هي بين ما يحتاجه العراق للزراعة و ما متوقع ان يصل من مياه للعراق، ناهيك عن ما سيحدث من تناقص نتيجة لزياده درجات الحرارة والتبخر وازمات الجفاف المتوقعة بسبب التغير المناخي.
علاوة على ذلك، فإن الاستخدام المستمر لطريقة الري السومرية (الري بالغمر) هو استخدام غير مستدام، بسبب نقص المياه المتزايد، وبشكل أكثر تحديدًا بسبب انعدام الفيضانات. فالفيضانات الموسمية الطبيعية هي التي سهلت الزراعة الاروائية في العراق منذ العهد السومري، واذابت هذه الفيضانات الأملاح المتراكمة ورسّبت طبقات جديدة من الغرين والطين مجددتاً خصوبة الأراضي الزراعية. ولكن هذا لم يعد ممكناً بسبب بناء السدود على منابع وروافد دجلة والفرات.
وتحدث هذه التغيّرات المناخية في سياق التحول العالمي نحو الطاقات المتجددة الذي سيؤثر على الاقتصاد العراقي الريعي المُعتمد على الإنتاج النفطي. اذ من المتوقع أن ينخفض الطلب على النفط والغاز خلال العقود القادمة، وهذا سيؤدي إلى انخفاض اسعار النفط الخام على المدى الطويل. يعتبر الإنتاج النفطي للعراق هو الأرخص والأكثر جاذبية في العالم. ومع ذلك، فإن الوضع الاقتصادي الراهن غير مستدام. ولهذا يجب الادراك ان هنالك اثاراً سلبية على الموارد المالية والاقتصادية العراقية بسبب التوجه العالمي نحو التخلّي عن الوقود الاحفوري عبر اتفاقيات التغير المناخي، ما يستوجب التخطيط المبكّر لتغيير شامل في اسس اقتصادنا.
مع التزايد المتوقع في عدد سكان العراق من 38 مليون اليوم إلى 80 مليون بحلول عام 2050، فإن المخاطر الاقتصادية والاجتماعية لتغير المناخ ستكون وخيمة على العراق إذا تُركت دون معالجة. إن رفاهية أجيالنا المقبلة في أيدينا، وعلينا واجب الوفاء بهذه المسؤولية.

رؤية للتغيير
يجب أن نحوّل حالة الطوارئ الوطنية هذه إلى فرصة لتحويل الاقتصاد العراقي بشكل تدريجي وجذري، بهدف التكيف مع آثار تغير المناخ من خلال خطة عمل تستند إلى رؤية تهدف لتوفير ظروف معيشية أفضل لأجيالنا القادمة.
خطة العمل المقترحة في المشروع تُمثل خارطة طريق شاملة، مستندة على مبادرات تغير المناخ الى جانب خطوات اطارية قانونية وتنظيمية. ستدعم هذا المشروع الخطة الوطنية التي تهدف للتنوع الاقتصادي (الورقة البيضاء)، وتعزيز الاستدامة البيئية من خلال سلسلة من الخطوات القابلة للتنفيذ والمرتبطة بالرؤية الوطنية (رؤية ٢٠٣٠) ومساهمة العراق اتجاه اتفاق باريس للمناخ.
من خلال اتخاذ هذه الخطوات، ودمجها في إجراءات تغير المناخ العالمي، يمكننا تلبية العديد من مطالب الشعب العراقي، الوظائف في قطاعات الزراعة الذكية والبناء البيئي الحديث والصناعات المستدامة والخدمات، والرفاهية والنمو الاقتصادي، والامن والاستقرار. ومن المرجح لهذ المشروع ان بُعزز دور العراق كعامل للتغيير الإيجابي والاستقرار طويل الامد في الشرق الأوسط وان يكون محطة تلاقي اقتصادي بين الشرق والغرب والشمال والجنوب.
يستند هذا المشروع -مشروع إنعاش بلاد الرافدين- على تسع خطوات موضوعية لإحداث تغيير حقيقي. وهي مصممة لمواءمة وتعزيز أهداف المناخ الأوسع للحكومة العراقية، لتأكيد وتعزيز التزامها باتفاق باريس للمناخ، ولتقديم حلول إقليمية للتحديات المشتركة المتعلقة بالمناخ. ولضمان نجاح المشروع، لا بد من جهد وطني متضامن تُشارك فيه كل مفاصل الدولة لتمكين جميع الوزارات ذات الصلة لتصميم وتنفيذ سلسلة من السياسات والقوانين، وسيتطلب هذا إنشاء مؤسسات جديدة متخصصة مهمتها معالجة القضايا المتعلقة بتغير المناخ على وجه التحديد، وسيجمع بين إنفاق الدولة والتمويل من الصناديق الخضراء وأسواق رأس المال الخاص والمانحين الدوليين لتمويل الاستثمار الجديد والكبير في هذ الصدد.

البرامج
ان مشروع إنعاش بلاد الرافدين سيُركز على العراق في مراحلها الأولية، ولكن في تصميمه يأخذ بنظر الاعتبار تنسيق ودمج وترابط البلد مع المبادرات الإقليمية المتعلقة بالاقتصاد والتكيّف مع المناخ في مراحل تابعة. وستُركز على أربع مجالات أساسية (والتي تتضمن تسعه مشاريع) - اعادة التشجير، الحدائق الخضراء والمحميات الطبيعية، ادارة المياه، معالجة الصرف الصحي، سدة شط العرب، تحديث طرق البناء، تحويل النفايات، والتقاط الغاز المصاحب، والطاقة الخضراء-، وانتهاز الفرص المتاحة من ناحية التمويل والتطبيق والتأثير على الانبعاثات الكربونية، وتعتمد على التكنولوجيا التي أثبتت جدواها، والابتكارات الجديدة، ويمكنها الاستفادة من مصادر التمويل الموجودة حاليا. ستوفر المشاريع التسعة الأولية التالية الأسس لأجندة المشروع والتي تضع العراق في قلب التغيير الإقليمي.

برنامج تشجير "جنة عدن"
شهد العراق فقدان 30 مليون نخلة، أي بمقدار ثلثي ما كان لديه، وتعرية غابات كردستان جزئيًا على مدار الأربعين عامًا الماضية، وتستمر إزالة الغابات في جبال العراق وسهوله، وإن كان بوتيرة أبطأ، وتُقتلع أحيانًا اشجار عمرها مئة عام.
هناك إمكانات هائلة للعراق لاستعادة وتوسيع المحيط الحيوي الاخضر للنخيل والغابات. سيوّفر هذا البرنامج طريقة فعالة لامتصاص انبعاثات الغازات الدفيئة، فضلاً عن تثبيت التربة وتقليل الملوحة والتصحر. علاوة على ذلك، سيساهم هذا المشروع القائم على الطبيعة بشكل مباشر وغير مباشر في تعزيز الاقتصاد العراقي، وخاصة في القطاع الزراعي الحيوي، من خلال خلق وظائف جديدة وتوفير نقطة انطلاق للتوسع الصناعي.
كركيزة أساسية، يقترح مشروع إنعاش بلاد الرافدين أن يبدأ العراق جهداً وطنياً فورياً لإعادة زراعة الغابات في جنوب وغرب العراق (النخيل والحمضيات وغابات القصب) وفي كردستان (الأنواع المحلية). سيُطلق على هذا الجهد اسم "برنامج تشجير جنة عدن".
سيكون الهدف الأولي زراعة 20-30 مليون نخلة في غضون عامين، واستعادة الخسائر السابقة. على المدى الطويل، يهدف البرنامج إلى زراعة مليار شجرة في جميع أنحاء العراق بحلول عام 2030 وكذلك تجديد الشتلات بانتظام لتعويض الخسائر. إذا تمكّنا من تجاوز هدف المليار، فسنقوم بتعويض ما فقدناه خلال العقود الماضية وتكوين بنية تحتية لإنتاج المنتوجات الزراعية مثل التمور والحمضيات والفواكه والخضروات من خلال استخدام الاراضي تحت ظل الاشجار المزروعة.
بالإضافة لدوره في التخفيف من آثار تغير المناخ باعتباره مُخزّن للكربون، سيكون لهذا البرنامج مزايا اقتصادية كما ذُكر اعلاه وسيحقق فوائد إقليمية. على الصعيد الزراعي، سيعتمد البرنامج على مؤسسات البحث والدراسات العراقية لإنتاج الشتلات، والتي يمكن إنتاجها في المؤسسات العراقية وزراعتها من قبل المزارعين. ستوفر مشاتل الأشجار والعناية بالشتلات فرص عمل جديدة.
ولكي تكون زراعه النخيل والاشجار أكثر ديمومة سيتم زرع الشجيرات باستخدام تكنلوجيا حديثة تُمكّن الشجيرات من دفع الجذور الى المياه الجوفية لكي لا تحتاج الى ارواء سطحي يؤدي الى تخفيف الحاجة للموارد المائية التي ستكون اكثر شحة في المستقبل.  اما استخدام الاراضي في ظل الاشجار سيتم اروائها من مياه المجاري المعالجة ومياه الامطار وطرق الارواء بالتنقيط حيثما تواجدت هذه القابلية.  
على الصعيد الصناعي، سيؤدي استخدام تقنيات الري الحديثة، إلى تطوير سوق محلي للري بالتنقيط ومعدات تجميع مياه الأمطار التي يمكن إنتاجها في العراق. كجزء من البرنامج، سيُشجع المشروع الاستثمار في الصناعات المستدامة المحلية لإنتاج مواد انظمة الري الجديدة، ولتعزيز إعادة تدوير المنتجات البلاستيكية كجزء من هذه العملية. في مناطق الروافد الجبلية والوديان (مثل كردستان والصحراء الغربية / منطقة الجزيرة)، سيخلق حصاد المياه فرص عمل جديدة، بما في ذلك بناء سدود صغيرة لإعادة تغذية المياه الجوفية وإنشاء الواحات.
سيكون لبرنامج إعادة تشجير جنة عدن فوائد مباشرة خارج العراق. يجب أن يتكامل البرنامج مع المبادرات الإقليمية، مثل مشروع 50 مليار شجرة الذي أعلنت عنه المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. يمكن أيضًا دمج أبحاث زراعة الأنسجة وإنتاج الشتلات في العراق مع هذه الجهود. ويمكن تمويله من خلال خطط خزن الكربون كجزء من تدابير التخفيف، كما انه يعزز بشكل أكبر التكيف مع المناخ، حيث ستساهم الفوائد المستمدة من تثبيت التربة مع الغطاء النباتي في تقليل العواصف الترابية الإقليمية والظواهر المناخية الأخرى في بلدنا وفي دول الجوار.
سيتم تمويل برنامج التشجير من مزيج من عائدات الدولة والمانحين الدوليين والمستثمرين الإقليميين والدوليين والصناديق الخضراء. وكخطوة أولى، سيعمل العراق مع البنك الدولي ووكالات الأمم المتحدة لإكمال التخطيط الفني الشامل، واستراتيجية التمويل.
ويستوجب ذلك إصدار تشريع لإنشاء صندوق خاص لإصدار قروض للمزارعين الذين يشاركون في هذا البرنامج. ويجب أن يتم تمويل الصندوق من الأموال الحكومية، بالإضافة إلى المساهمات السنوية من شركات النفط والغاز الدولية كجزء من بنود المسؤولية الاجتماعية الخاصة بعقودهم.
ويجب أن يُدار الصندوق بشفافية من خلال البنك الزراعي التعاوني والبنوك غير الحكومية، باستخدام التكنولوجيا المتنقلة والإلكترونية لضمان أن مشروع إعادة التشجير ستعمل أيضًا على إدخال الإصلاح والتحديث المصرفي. 

٢- برنامج الحدائق الخضراء والمحميات الطبيعية
سيتم تعزيز برنامج إعادة التشجير ببرنامج للحفاظ على المناطق الطبيعية والحدائق والمتنزهات في المناطق الحضرية في جميع أنحاء العراق. حددت وزارة البيئة أكثر من 80 موقعًا طبيعياً ومهمًا. يجب دراسة كل موقع من هذه المواقع والنظر في اعلانه كمحمية طبيعية ومن ثم إدارة هذه المناطق كوقف للأجيال القادمة من العراقيين. وسيساعد هذا أيضاً في الامتثال لالتزامات العراق الدولية بالحفاظ على المواقع الطبيعية.
علاوة على ذلك، هناك حاجة للحفاظ على المساحات الخضراء في بغداد والمدن الكبرى الأخرى في العراق. كخطوة أولى، يقترح هذا المشروع أن تقوم أمانة بغداد والهيئات الحكومية المرتبطة بها بتخصيص حديقة مركزية جديدة لبغداد، والتي ستربط مطار المثنى القديم، وحديقة الزوراء المجاورة، وثكنات الوشاش. بالإضافة الى النتائج المتحققة في تحسين جودة ونوعية الهواء في بغداد، فان ذلك سيوفر مكاناً يمكّن العائلات من الاستمتاع بالطبيعة، ويكون ملاذ للطيور والحياة البرية.
فضلا عن ذلك، يجب أن تتضمن جميع المشاريع السكنية الجديدة مساحة خضراء تغطي ما لا يقل عن 25٪ من مساحتها، حيثما كان ذلك ممكناً ومناسباً، وان لم يمكن فيجب اضافه حدائق عمودية. كما يجب على إدارات التخطيط ولجنة الاستثمار وكذلك المسؤولين عن إنفاذ قوانين البناء أن تدمج هذا المطلب كحد أدنى في عملية مراجعة واعتماد مشاريع البناء.

٣- برنامج إدارة مياه الرافدين
يتطلب التخفيف من التهديدات المتزايدة لموارد المياه تحسين كفاءة الري في العراق وتحديث استراتيجية إدارة المياه. خطط إدارة المياه الحالية في العراق تم تطويرها خلال حقبة كان فيها وفرة في المياه حد الفيضانات وعدد قليل من السدود على منابع نهري دجلة والفرات، وكانت الفيضانات تُهدد المدن الكبرى في البلاد سنويًا. وتُستخدم بحيرات التحكم في الفيضانات لتخزين المياه (مثل الثرثار والحبانية)، ولكن نظرًا لكون هذه البحيرات غير عميقة ومساحاتها السطحية واسعة، ويؤدي ذلك إلى تبخر كبير للمياه (ما لا يقل عن 8 مليارات متر مكعب من المياه سنويًا). في المحصلة يساهم التبخر والتسرّب من مئات الآلاف من القنوات (المبطنة وغير المبطنة) التي يستخدمها العراق لنقل المياه إلى المزارع والقرى، في زيادة مستويات خسارة المياه.
إن إدخال التقنيات الحديثة لتحسين إدارة المياه والحفاظ على الموارد من خلال تدابير قريبة المدى أمر بالغ الأهمية لمستقبل العراق، وإذا تم تنفيذه بسرعة، يمكن أن يُقلل إجمالي الطلب على المياه للري بنسبة 30٪ إلى 40٪ على مدى الخمس سنوات القادمة. 
وفي الوقت نفسه، ستساهم عملية الحد من هدر المياه المرتبطة بالري، في تقليل مشاكل البزل، ومعالجة أخطار التملح في الأراضي الزراعية. اذ إن التحول من القنوات غير المبطنة إلى انابيب ذات قطر كبير أو قنوات مبطنة بالخرسانة ومظللة بألواح كهروضوئية يمكن استخدامها لتوليد الكهرباء، من شأنه تقليل مستويات التبخر والخسائر المائية بالإضافة الى توليد طاقة كهربائية مستدامة.
لتشجيع هذا التحول، يجب على العراق النظر في تشريع جديد لتحويل برنامج الحكومة الحالي لدعم المزارع من دعم الإنتاج الزراعي (مثل شراء القمح بأسعار أعلى من السوق الدولية) إلى دعم استخدام أساليب الري والإنتاج الزراعي الحديثة، مثل الخراطيم البلاستيكية، ورؤوس تنقيط ورشاش، بالإضافة الى طرق الزراعة الحديثة ومنها البيوت البلاستيكية واستعمال الغطاء البلاستيكي على التربة لتقليل التبخر وتقليل استعمال المبيدات والمغذيات. إذا تم دعم المزارع والفلاح العراقي من خلال تغيير اسلوب الدعم من شراء المحاصيل بأسعار قد تناهز ضعف او اكثر من اسعار المحاصيل العالمي كما يحدث اليوم الى دعم من خلال تحديث اساليب الري فسيكون التغيير سريع ومن الممكن ان يحصل هذا التغيير خلال اربع الى خمس سنين.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن تقديم تأمين للمزارعين ضد تباين أسعار السوق من خلال إبرام عقود طويلة الأجل بين المنتجين ومصانع جديدة لتجهيز الأغذية وحفظها وتعليبها، والتي يمكن إنشاؤها من خلال التمويل الحكومي أو من خلال الشراكة بين القطاعين العام والخاص. وهذا المخطط يوفّر فرصة لبناء علاقات تجارية إقليمية.  كجزء من إستراتيجيته التمويلية لهذا التحول، يجب على العراق دراسة التدابير الضرورية لفتح صناعة تجهيز الأغذية والألبان أمام الاستثمار من الدول المجاورة، والتي يمكنها بعد ذلك إمداد الأسواق العراقية والإقليمية، والاستفادة من العمالة العراقية المتعلّمة.
ان تحديث الري وإدارة المياه سيدعم تطوير الصناعة المستدامة لتصنيع البلاستيك ومعدات الري. يمكن للحكومة العراقية دعم هذا المسار من خلال إنشاء شراكات بين القطاعين العام والخاص لتحديث المنشآت الصناعية في العراق.  يجب أن يبدأ هذا التحول مع الوزارات والمؤسسات ذات الصلة في العراق التي تعمل مع المنظمات الدولية المتخصصة للبدء في وضع خطة شاملة لتوجيه برنامج إدارة مياه الرافدين والصناعات التحويلية الملحقة به. وأن يسعى هذا الجهد أيضًا إلى اقتراح التغييرات التشريعية والتنظيمية اللازمة لتأطير هذا التحول.

٤- برنامج الصرف الصحي "تطهير الأنهار"
    يُعتبر إلقاء مياه الصرف الصحي الخام مباشرة في نهري دجلة والفرات كارثة بيئية مستمرة، اذ يتم التخلص أكثر من 5 ملايين متر مكعب من مياه الصرف الصحي يوميًا في أنهارنا، مما يؤدي إلى التلوث وانتشار الأمراض، هذه الممارسة يجب ان تتوقف على الفور.  وعلى المؤسسات الحكومية العراقية ذات الصلة (بقيادة وزاره البلديات، بمساعدة وتوجيه من وزارة البيئة) أن تبدأ على الفور في دراسة لتحديد التكلفة والجدول الزمني لإنشاء او صيانة محطات معالجة مياه الصرف الصحي في جميع أنحاء البلاد والتي من شأنها القضاء على عملية رمي مياه المجاري في الانهر. علاوة على ذلك، يجب أن تتضمن المشاريع الجديدة تقنية لامتصاص انبعاثات غاز الميثان من عمليات الهضم البيولوجية، واستخدام هذا الغاز لتشغيل محطات الصرف الصحي، وادخال الطاقة الفائضة في الشبكة المحلية.
    في غضون ذلك يجب إدخال أنظمة المعالجة الطبيعية للتخفيف من التهديد المباشر المتمثل في رمي مياه الصرف الصحي في الانهر الى حين انشاء محطات معالجه مياه الصرف الصحي الحديثة، حيث إن مخططات المعالجة الطبيعية هذه ليست فعالة مثل محطات معالجة مياه الصرف الصحي الحديثة، ولكنها مع ذلك ستجعل نوعية المياه أفضل وتسمح بإعادة استخدامها في الزراعة وإنعاش بعض المناطق الطبيعية و ارواء الغابات المذكورة في مشروع التشجير اعلاه. 
    ويمكن الشروع بهذه المخططات بسرعة في القرى الصغيرة (حيث تكون مثالية)، وكذلك في المدن والقرى المتوسطة الحجم والتي لها اراضي مملوكه للدولة. وسيكون هذا البرنامج ذا قيمة مضافة لبرنامج إعادة التشجير، حيث تشمل خطط المعالجة الطبيعية زراعة أحواض القصب والنباتات الطبيعية الأخرى التي يمكنها امتصاص العناصر الغذائية في مياه الصرف الصحي واستخدام المياه لزراعة النباتات التي سوف تمتص ثنائي أوكسيد الكربون، وتمويل هذه المشاريع يكون من خلال صندوق المناخ الأخضر أو صندوق التكيف والصناديق الاخرى.

٥- جسر/ سده شط العرب
     تتعرض الموارد المائية والزراعة العراقية لمخاطر اضرار كبيرة بسبب اللسان المحلي الذي يزحف إلى شط العرب عندما يقل تصريف الشط. يُعتبر التحكم في هذا الزحف أمراً بالغ الأهمية لإدارة الأراضي وتنمية الزراعة ومصايد الأسماك وجودة المياه.  تذكر الدراسات ان اللسان الملحي يمكن السيطرة عليه من خلال ابقاء تصريف شط العرب الى ما لا يقل عن ١٠٠ متر مكعب في الثانيه. ولكن بما الدراسات الاستراتيجية تتوقع وجود عجز في الايرادات المائية فبالتأكيد سيكون هنالك تمدد باللسان الملحي اذ لن يستطيع العراق توفير هذه الكمية من التصريف بلا وجود اتفاق مع تركيا و ايران و سوريا على الإدارة المشتركة لموارد دجله و الفرات. 
     يجب النظر بجدية في انشاء سده تحكّم عند مصب شط العرب، على غرار حاجز التايمز. سيسمح مشروع سده شط العرب بالتحكم في تدفق مياه البحر عن طريق إغلاق البوابات أثناء ارتفاع المد وفتحها أثناء الجزر، مما يسمح بالحفاظ على نوعيه مياه شط العرب والحفاظ على الاراضي الزراعية على جانبي الشط. كما سيكون لها فائدة إضافية تتمثل في المساعدة في حماية مدينة البصرة من الآثار السلبية لتغير المناخ وخصوصا تأثير الارتفاع المتوقع لسطح البحر سيؤدي الى تأثيرات سلبيه على شاطئي شط العرب والسواحل بالإضافة الى وقف الانجراف.  فتح البوابات خلال فترات الجزر سيصرف المياه الملوثة التي يتم صرفها في شط العرب حاليا. إذا ما تم معالجة التلوث واسبابه سيكون من الممكن ان يتم حجز هذه المياه ودفعها لإرواء اراضي الفاو المجاورة لشط العرب.
     سيكون لهذا المشروع فوائد إقليمية. يجب أن يتم وضع أي حاجز فعّال في جزء من شط العرب المشترك مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وسيتطلب تصميم المشروع وبنائه تعاوناً وتنسيقاً ثنائياً، ويمكن أن يوفّر هذا الجهد الأساس لحل أوسع للنزاع حول حقوق المياه في شط العرب.
     علاوة على ذلك، من شأن الوصلات البرية أن تشجع التجارة والتعاون الإقليمي، حيث سيكون الحاجز جسراً يربط شعوب المنطقة معا، ليس فقط العراق بإيران، ولكن أيضا يشمل المنطقة الأكبر، بما في ذلك الكويت والمملكة العربية السعودية ودول الخليج. كما لابد من انشاء هويس ملاحي من ضمن السدة لتستمر الملاحة في شط العرب من قبل السفن الصغيرة ومتوسطة الحمولة.
     يمكن تشجيع شركات البناء الإقليمية على تقديم عطاءات للمشروع، وبالتالي إدخالها إلى السوق العراقية. تُقدر تكلفة بناء سدة شط العرب بنحو مليار دولار، بالنظر الكلفة العالية، على العراق وإيران دراسة آليات تمويل مختلفة، بما في ذلك الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والتمويل المشترك مع الجمهورية الإسلامية الايرانية، والدعم من المؤسسات المالية الدولية، والحصول على التمويل من صناديق الاستثمار الدولية والصناديق الخضراء.
 ٦- برنامج البناء التقليدي وكفاءة الطاقة
     سيساهم إدخال تقنيات البناء الحديثة وتشجيع كفاءة الطاقة في المناطق الحضرية في تقليل احتياجات الطاقة في العراق وتقليل بصمته الكربونية. المناطق الحضرية هي المسؤولة عن الغالبية العظمى من انبعاثات الغازات الدفيئة، ونصيب الفرد من استخدام الطاقة والموارد في المدن أعلى بكثير منه في المناطق الريفية.
    ومع معدلات التحضر التي تزيد عن 70٪، والنمو الحضري إلى أكثر من 2.5٪ سنويًا، فإن اعتماد حلول لتعزيز البناء الأنظف والأكثر كفاءة وأساليب استخدام الطاقة أمر بالغ الأهمية للعراق.
     كخطوة أولى لمواجهة هذه التحديات التي تلوح في الأفق، يجب على العراق تقديم تشريعات جديدة لكفاءة الطاقة ومعايير البناء، مصممة لتقليل استخدام الطاقة على المدى الطويل. على وجه الخصوص، من الافضل بناء مساكن جديدة منخفضة التكلفة في بغداد ومدن رئيسية أخرى في العراق تستفيد من تقنيات العمارة القديمة التقليدية، والتي تستخدم تقنية الطابوق المضغوط والغير مفخور والتي من شأنها تقليل استهلاك الطاقة ويقلل من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون. يجب على الدوائر الحكومية والبلديات المحلية دراسة التدابير المناسبة لتحديث المباني الحكومية، وتشجيع إدخال حلول الطاقة المتجددة وعمليات البناء الموفّرة للطاقة.
    سيكون ادخال معايير بناء جديدة وإجراءات لكفاءة الطاقة فوائد مضاعفة على الاقتصاد العراقي، حيث ستكون هناك حاجة لاستثمارات جديدة في بناء الطابوق لتزويد سوق البناء المحلي بطابوق أرضي مضغوط على نطاق واسع. كما من المتوقع ان يخلق التعديل التحديثي وظائف جديدة في قطاع البناء، وعلى المدى الطويل يمكن للعراق استخدام هذا المشروع لتطوير صناعة كهروضوئية محلية لتلبية الطلب المحلي. في جميع هذه القطاعات، سيتم خلق فرص عمل جديدة، وسيشجع الاستثمار من قبل القطاع الخاص المحلي والدولي.
     للإسراع في تنفيذ واعتماد اجراءات برنامج كفاءة البناء، يجب تضمين الحوافز عبر دمج الإعفاءات الضريبية للمطوّرين والبنّائين والمصنّعين في قانون الضرائب، كما يمكن تمويل هذه المبادرات من خلال تحويل أرصدة الكربون المستحقة للحكومة العراقية الى إعفاءات ضريبية، تصميم وتنفيذ آلية البرنامج سيكون من قبل وزارتي المالية والبيئة، بالاشتراك مع الوكالات الدولية.

٧- برنامج تحويل النفايات إلى طاقة
     ان تحديث أنظمة إدارة النفايات الحضرية في العراق وإعادة استخدام الانبعاثات المتسربة منها لن يؤدي إلى تقليل البصمة الكربونية للعراق فحسب، بل سيوفر أيضًا مصدراً محتملاً للطاقة المتجددة، ويجب على الحكومة العراقية والبلديات المحلية الاستفادة من مبادرة حديثة أُطلقت في مدينة السليمانية، حيث قامت مصانع الأسمنت المحلية بالتنسيق مع السلطات المحلية لبناء مكب حديث من الجيل الرابع يلتقط غاز الميثان الناتج عن تحلل المواد البيولوجية، وتُستخدم النفايات البلاستيكية ايضاً في تقليل الطلب على الطاقة في أفرانها. يمكن تقديم مخططات مماثلة في المناطق الحضرية في جميع أنحاء العراق كجزء من مبادرة وطنية لإدارة النفايات والحد من الانبعاثات.
     ان تمويل برنامج النفايات الحديثة يكون من خلال مصادر عدة. يمكن توفير الأموال العامة على المستوى المحلي، ولكن ينبغي النظر في إقامة شراكات بين القطاعين العام والخاص. كما ينبغي دراسة الدعم والتمويل من الصندوق الأخضر للمناخ ومؤسسات تمويل المناخ الأخرى، وكذلك الدعم الثنائي من صناديق الاستثمار الوطنية.

٨- برنامج التقاط الغاز المصاحب
     يُعتبر قطاع النفط والغاز المساهم الرئيسي في انبعاثات الغازات الدفيئة في العراق. تُمثل الانبعاثات المتسرّبة من هذا القطاع وحده أكثر من 40٪ من إجمالي الانبعاثات في البلد، ويرجع ذلك إلى حد كبير لارتفاع مستويات حرق الغاز المصاحب (يحتل العراق المرتبة الثانية في العالم من حيث إجمالي الحرق بعد روسيا).يجب على العراق اتخاذ تدابير فورية للحد من الحرق، وخصوصا ووقف حرق الغاز، وتحسين كفاءة الطاقة في قطاع النفط والغاز كوسيلة لخفض مستويات الانبعاثات وزيادة الإيرادات الحكومية.
     على العراق إعادة النظر في المقترحات الخاصة باحتراق الغاز المصاحب، واستخدامه لتوليد الطاقة محليًا أو تصديره إلى الدول المجاورة. على المدى الطويل، يمكن أيضًا استكشاف فرص استخدام هذا الغاز في صناعة البتروكيماويات ذات القيمة المضافة. ويجب أيضاً تنفيذ تدابير للقضاء على الانبعاثات المتسربة من إنتاج النفط والغاز من خلال إدخال آليات مراقبة حديثة وضمان السلامة العامة للبنية التحتية الهيدروكربونية العراقية. إن إدخال توليد الطاقة المتجددة إلى عمليات الطاقة في قطاع الهيدروكربونات من شأنه أن يقلل الانبعاثات بشكل أكبر.
     كخطوة أولى نحو تنفيذ هذا البرنامج، يجب على وزاره النفط مراجعة العروض التجارية الحالية من قبل شركات النفط والغاز الأجنبية لالتقاط الغاز واستخدامه وتحويله إلى أموال، الى جانب النظر في مراجعة العقود الحالية من أجل خلق المزيد من الحوافز لالتقاط الغاز المصاحب والاستعانة بطرق إنتاج أكثر كفاءة في استخدام الطاقة وصديقة للبيئة. من الضروري دراسة المبادرات الإقليمية المرتبطة باحتجاز الغاز المصاحب وأساليب الإنتاج المحسّنة من أجل تأسيس برنامجه الخاص في هذا الخصوص.
9 - برنامج الطاقة الخضراء
     إن إمكانات الطاقة الشمسية للعراق والمنطقة هي اضعاف تلك الموجودة في بلدان الشمال. ويسعى العراق بالفعل إلى تطوير إمكاناته في مجال الطاقة الشمسية، مع تقديم عطاءات العام الماضي لإنشاء محطات بقدرة 755 ميجاوات في منطقة الفرات الوسطى. كما يتم التخطيط لمزيد من مشاريع الطاقة الشمسية مع مستثمرين أجانب.  وقد اقر مجلس الوزراء في اوائل حزيران ٢٠٢١ عرض ١٢،٠٠٠ ميغا وات للاستثمار ليكون حافزا لاستثمارات أكبر في المستقبل.
     يجب على العراق ربط هذه المبادرات ببرنامج أكثر طموحًا للطاقة الخضراء، من اجل لتغيير أنماط استخدام الطاقة في العراق، وتعزيز كفاءته في استخدام الطاقة، وإرساء الأسس لتدفقات إيرادات جديدة على مدى العقدين المقبلين.
     كخطوة أولية، يجب على العراق تسريع الاستثمار في إنتاج الطاقة الشمسية لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء وتقليل الانبعاثات. وكجزء من هذا المشروع، سيحتاج العراق إلى الاستثمار في تحديث شبكة النقل والتوزيع، بما يسمح له بجمع الطاقة الشمسية من الجنوب وتسليمها إلى الشمال نهاراً، والطاقة الكهرومائية في الاتجاه المعاكس ليلاً.
    هناك أيضًا حاجة إلى تقديم نماذج استثمار جديدة، حيث يتم شراء الكهرباء من قبل الحكومة العراقية بسعر محدد مسبقًا. وعلى المدى الطويل، ستحل هذه المصادر المتجددة محل محطات التوليد الحراري المتوقفة.
     يجب أن نسعى إلى تشجيع أصحاب المنازل الخاصة وتحفيزهم على تركيب الألواح الكهروضوئية لتوليد الكهرباء السكنية، وعدادات ذكية لتقليل الاستخدام الكلي للطاقة. وإطلاق حملات لتشجيع ذلك.
     كما يجب أن ينظر العراق أيضًا في تأجير أسطح البحيرات لإنتاج الخلايا الكهروضوئية. تم تقديم برامج مماثلة بنجاح في أماكن أخرى، مثل ماليزيا. قد تكون هناك أوجه قصور مرتبطة بتركيب الألواح الكهروضوئية على إطارات عائمة، ولكن تقليل التبخر بسبب الغطاء المقدم سيكون تعويضًا كافيًا.
    على المدى الطويل، من الضروري تصميم برنامج العراق للطاقة الخضراء ليكون مصدر دخل ولتعزيز الروابط الإقليمية عبر إنشاء شبكات نقل الفائض في توليد الطاقة الى الخارج، وأن تكون طريقاً لنقل الكهرباء الشمسية من الخليج إلى تركيا وأوروبا. يجب أيضاً تطوير وسائط التخزين مثل الهيدروجين والأمونيا على المدى الطويل، مما يوفر المزيد من الإمكانات الصناعية وجذب الاستثمار الإقليمي والدولي.

الإطار الإقليمي
في حين أن مشروع إنعاش بلاد الرافدين تركز على العراق في المقام الأول، ولكن لها ابعاد اقليميه في قضايا تغير المناخ الإقليمي الذي يعتبر تهديدا مشتركاً عابراً للحدود. بغض النظر عن المواقف السياسية بين دول المنطقة، فإن تغير المناخ هو خصم لنا جميعا ويؤثر سلبًا على كل منطقتنا.
يقع العراق في قلب هذه المنطقة تاريخياً ومجازياً، ويجب أن نستفيد من دورنا التاريخي لمساعدة العراق والمنطقة من خلال تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي والاستقرار في الشرق الأوسط الذي سيؤدي حتما إلى التعاضد والتكامل المشترك بوجود المنافع الاقتصادية المتبادلة.
يُركز المشروع على تهيئة الظروف اللازمة لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، وسيعزز هذا الطموح بثلاث طرق:
الأمن المائي. لا تقتصر قضايا قلة المياه وتأثيراتها المختلفة على العراق فقط، بل هي تؤثر على المنطقة كلها ومن ضمنها الخليج الذي فقد المياه العذبة من شط العرب. فالأمن المائي يمثل خطراً متزايداً في الشرق الأوسط على مدار نصف القرن الماضي، والان بدء يتصاعد هذا الخطر بسبب تزايد الطلب وتأثيرات التغير المناخي، زيادة الملوحة في مياه الخليج ستجعل تحلية المياه غير مجدية ومكلفة جدا لسكان الخليج. نقص المياه سيؤدي إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان سواء في سوريه أو العراق أو إيران أو في أي مكان آخر من الخليج.
    في مواجهة تحديات إدارة المياه الخاصة به، يمكن للعراق أن يكون نموذجاّ للمنطقة، وأن يستفيد من المبادرات الإقليمية. وكذلك سيكون نقطة انطلاق للمناقشات التي تشتد الحاجة إليها حول تقاسم المياه مع جيرانها في أعلى مجرى النهر وأسفله. ستنتج الروابط المتزايدة والاعتماد المشترك إلى بناء روابط الثقة اللازمة لتشجيع الإدارة المشتركة لموارد المياه لصالح الحوض بأكمله وليس فقط تركيا وإيران والعراق وسورية. سيؤدي الاعتماد المشترك والتعاون بشكل طبيعي الى التضامن المشترك.

الامن الغذائي. قبل الكوارث السياسية في أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الواحد والعشرين، كان العراق السلة الغذاء الإقليمية. سمحت وفرة الموارد الطبيعية في البلاد ومناخها بالإنتاج الزراعي على مدار العام، مما أدى إلى وجود فائض من المنتجات يمكن تصديره، يتمثل أحد الأهداف طويلة الامد لجهود العراق في تحسين توافر المياه ومستويات الملوحة والحفاظ على الأراضي في إعادة الإنتاج الزراعي إلى مستويات يمكن أن يلعب فيها مرة أخرى هذا الدور الرئيسي في المستقبل، مع الاستفادة من موقعه الاستراتيجي في وسط الشمال حيث طرق التجارة بين الجنوب والشرق والغرب.

أمن الأرض. لا تقتصر أخطار التصحر وما يرتبط بها من مخاطر الأرصاد الجوية على العراق، بل انها تهدد الشرق الأوسط ككل. أثرت العواصف الترابية بشكل سلبي على العراق وجيرانه، وهذا ليس بسبب العراق وحده، بل بسبب تدهور إقليمي وظاهرة التغير المناخي العالمية.
    من خلال مواجهة تحديات إدارة الأراضي الخاصة به، يمكن للعراق ان يكوم مثالا للمنطقة. كما سيسمح بالتعاون والتنسيق لوضع مبادرات إدارة الأراضي في جميع أنحاء الشرق الأوسط. النتيجة النهائية لبرنامج إعادة التشجير ليس فقط عزل الكربون، ولكن أيضاً كبح العواصف الترابية العابرة للحدود ووقف الخسائر الناجمة عن التصحر.
     على المدى الطويل، تم تصميم مشروع إنعاش بلاد الرافدين كأساس لتدابير التكيف مع المناخ الأكثر شمولاً التي ستقود النمو الاقتصادي والتكامل الإقليمي. يجب أن تكون طموحاتنا كبيرة، وبالنظر إلى موقعه الجغرافي الاستراتيجي، يمكن للعراق أن يطوّر نفسه كشريان تجاري مهم يربط الخليج بأوروبا، فالفرصة متاحة للعراق للتطور كـ "قناة جافة"، محوّلاً نفسه إلى طريق نقل للطاقة والتجارة والموارد الطبيعية والتكنولوجيا الرقمية.
     يمكن تطوير الطرق والسكك الحديدية باستخدام تكنولوجيا الكهرباء والهيدروجين، بما في ذلك البنية التحتية الداعمة اللازمة، ويمكن استخدام هذه الخطوط لربط موانئ الفاو والكويت وعبادان بأوروبا، وستوفر طريقاً بديلاً للشحن الفائض الذي لا يمكن شحنه إلى قناة السويس (بدلاً من ذلك، يمكن التوصل إلى اتفاقية تجارية مع مصر لإنشاء شركة النقل المشتركة بين الشمال والجنوب). يمكن أيضًا تضمين خطوط النقل لصادرات الطاقة من منطقة الخليج، والربط الرقمي البري.

التنفيذ
سيتطلب تصميم وتنفيذ مشروع إنعاش بلاد الرافدين المختلفة ترتيبات مؤسسية مناسبة، وقد يشمل تشريع قوانين متخصصة لخلق بيئة قانونية واستثمارية من اجل تعزيز التغييرات المتصورة.

أ. ترتيبات مؤسسية
سيعتمد نجاح مشروع إنعاش بلاد الرافدين على تبنّي نهج شامل للحكومة يربط الوزارات والوكالات المناسبة بطريقة مُنسّقة. ستكون هناك حاجة لعدد من التحركات المؤسسية الحاسمة لبدء المشروع:

الإسراع في الفصل الإداري بين وزارتي الصحة والبيئة والنظر في تعيين وزير جديد للبيئة، ويكون بمنصب نائب لرئيس الوزراء لشؤون البيئة، توكل له مهام الاشراف الكامل والمتابعة للخطط والاستراتيجيات الموضوعة في مواجهة التغير المناخي وحماية البيئة.
- تمكين لجنة المساهمات المعلنة وطنياً والمكلفة بتصميم التزامات العراق بموجب اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ مع وكالة تنفيذية لتصميم وتنسيق سياسة المناخ في العراق.
- إنشاء لجنة استشارية مناخية مستقلة، برئاسة قائد علمي أو تجاري مرموق، لتقديم المشورة للحكومة العراقية بشأن استراتيجية تغير المناخ.
اقتداءً بقيادة المؤسسات المصرفية الدولية في النظر في تدابير الحد من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، يجب أن تتضمن جميع المشاريع التي تمولها الحكومة العراقية أو التي تصدر قروضاً من البنوك العراقية إجراءً لخفض ثاني أكسيد الكربون بما يتوافق مع التزامات العراق بموجب اتفاقيه اتفاق باريس.

ب. التشريع
يجب أن تنظر السلطة التنفيذية في تقديم مجموعة من القوانين إلى مجلس النواب لدعم وتسهيل مشروع إنعاش وادي الرافدين، وإنشاء الهياكل المؤسسية اللازمة.

ج. الوعي والتثقيف
يجب أن تنظر الحكومة العراقية في إطلاق حملة توعية عامة على الصعيد الوطني لإعلام وتعزيز سياساتها المتعلقة بالمناخ وكفاءة الطاقة، باستخدام وسائل الإعلام الاجتماعية والتقليدية، ولتشجيع التغييرات في العادات الفردية. كما ينبغي النظر في حملات التثقيف المحلية لتعزيز إدارة المياه والأراضي، وفوائد طرق الري والزراعة الحديثة.

د. مشاركة أصحاب المصلحة
من أجل بناء الوعي الشعبي والدعم لمشروع إنعاش بلاد الرافدين، يجب على المؤسسات الحكومية العراقية، بما في ذلك مكتب الرئاسة، النظر في حملة واسعة لإشراك أصحاب المصلحة، تستهدف كلاً من أهداف هذه المبادرات والمجموعات الوطنية المشاركة في تعزيز السياسات الخضراء وتحولات الطاقة (مثل العراق الأخضر).

ه. التمويل والدعم الفني
من أجل ضمان نجاح مشروع إنعاش بلاد الرافدين، يجب على العراق أن يسعى للحصول على الدعم من الوكالات الدولية المتخصصة وهيئات التمويل لتصميم وتنفيذ وتمويل جهود التكيف مع المناخ. تتمتع مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ووكالات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بخبرة كبيرة في مساعدة البرامج في جميع أنحاء العالم، ويمكن للعراق الاستفادة بشكل كبير من هذه المعرفة. علاوة على ذلك، توجد مجموعة متنوعة من خيارات التمويل من خلال وكالات التمويل المتخصصة وصناديق الاستثمار الخضراء المخصصة لدعم مبادرات التكيف مع المناخ وتخفيف انبعاثات الغازات الدفيئة. سيكون الدعم من هذه الهيئات بالغ الأهمية خاصة في المراحل الأولى من المشروع.

خاتمة
تُعطينا الطبيعة ذاتها درساً عن التكامل بين جبال كردستان وتربة سهله الرسوبي وبيئته الاهوارية ناهيك عن تأثيرات مياه الرافدين الازليين على بيئة شمال الخليج. عبر التاريخ كانت ارض السواد واحة خضراء في حزام صحراوي شمال المناطق الاستوائية. وبيئته منحت الانسانية فرصة المعيشة على شواطئ انواره حيث تمكن اجدادنا من تطوير الزراعة الاروائية وبناء المدن واختراع الكتابة، وما قصه كلكامش الا رواية لبحث الانسان عن الحياة الأزلية، وبصمات السومريين مازلت متجسّدة في اثارنا، بل حتى بيوتنا القصبية والطينية حتى اليوم. المفارقة ان خريطة مستقبل العراق مبّنيه على تاريخه كسلة الغذاء وطريق التجارة العالمي.

Presedent